السيد محمد باقر الصدر

47

محاضرات تأسيسية ( تراث الشهيد الصدر ج 21 )

ويتمّ ذلك من خلال تبديل جميع المفصّلات بالمبهمات . وبعبارة أخرى : تبديل جميع المواد بالرموز ، وذلك عبر قطع النظر عن خصوصيّة المادّة . وأفضل طريقة لتحقيق ذلك تتأتّى عبر إهمال ذكر ( العالم ) و ( التغيّر ) و ( الحدوث ) ، ونأتي في مقابل ذلك بالرموز التي تتناسب مع كلّ مادّة من المواد التي يتصوّرها العقل ، فنقول : ( أ ) هو ( ب ) ، و ( ب ) هو ( ج ) ، إذن : ( أ ) هو ( ج ) . وفي هذه الحالة نكون قد طبّقنا القياس نفسه ، إلّاأ نّنا قطعنا النظر عن مواده وصيّرناه رموزاً صرفة . ونلاحظ في هذه الحالة أنّه لم يبق من الفكر إلّاصورته وشكله ، أمّا مضمونه فلم يعد موجوداً ؛ لأنّه لا مطابق له في عالم الخارج ، ولكنّه في الوقت نفسه احتفظ بالصورة نفسها التي كانت موجودة في قولنا : « العالم متغيّرٌ ، وكلّ متغيّر حادث ، فالعالم حادث » . فهاتان الصورتان متطابقتان من حيث الإيجاب والسلب ، ومن حيث الكلّيّة والجزئيّة ، ومن حيث الشرطيّة والحمليّة ، إلى غير ذلك من الجهات والمقولات المنطقيّة . . غاية الأمر أنّ إحداهما صيغت على أساس الرموز ، والأخرى على أساس المواد الخارجيّة . وظيفة علم المنطق : بعد التمييز بين صورة الفكر وبين مادّته ، قالوا : إنّ مواد الفكر على قسمين : فمنها الأوّلي ، ومنها الثانوي « 1 » ، والأوّلي لا يحتاج إلى تأسيس علم لمعرفته ؛ لأنّه أوّلي ، وأمّا الثانوي فتتكفّل بتمييز صوابه عن خطئه هذه العلوم التي اسّست في الدنيا ؛ فإنّ كلّ علم ينال حظّاً ونصيباً من هذه العلوم الثانويّة

--> ( 1 ) راجع مثلًا : تحرير القواعد المنطقيّة في شرح الرسالة الشمسيّة : 52